الشانئ الأبتر والمحن الثلاث (ح5) / إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدي

اثنين, 11/27/2017 - 17:23

 

 

 

كان أبو جعفرٍ محمدُ بن جرير الطبرىُّ شيخُ المفسرين وقدوةُ المؤرخين، بقية السلف، وقدوةُ الخلَف، من مواليد سنة أربعٍ وعشرين ومائتين، بآمل طبرسْتان.
حفظ القرآن، وبدأ فى الطلب، فرحل إلى الآفاق، فى تحصيل العلم، وتلقِّى السنن والآثار، عن إذن وتشجيع من أبيه الذى كان يقُوم عليه، ويُنفِذ إليه الشىءَ بعد الشىء وهو يطوّف بالأمصار؛

ثم استوطن بغداد، ومكث بها إلى حينِ وفاته سنة عشرٍ وثلاثِمائة.
بلغ الطبرىّ فى العلم مبلغا لم يدانِه فيه أحد من أهل زمانه، فكان آية فى حفظ القرآن، وحسن قراءته، وإتقان علومه، والبصَر بقراءاته ورواياته وتفسيره وسائر فنونه، إماما فى الحديث، حافظا للسنة، بصيرا بحلالها وحرامها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بمعانيها وغريبها، وعللها، ورواتها، وصحيحها وسقيمها، ماهرا بالآثار وأقوال الصحابة والتابعين ومذاهبهم، إماما مجتهدا مطلقا، لم يقلد أحدا، صاحبَ مذهب فقهىّ مستقل، بليغا، فصيحا، كثيرَ التصانيف، فى مختلِف العلوم والفنون، عالما باللغة والشعر والأنساب والسِّيَر، وتواريخ الأمم والملوك، وأيام الناس، مؤلفا لأجلّ موسوعات التفسير والتاريخ فى حضارة الإسلام.
ولو لم يقضِ نحْبَه قبل إكمال كتابه: تهذيب الآثار لأوشك أن يكون أكبرَ موسوعة فى السنن والآثار، وقد قال بعض الحفاظ: لو أكمله لأغنى عن غيره.
سأل أصحابَه ذات يوم: هل تنشَطون لكتابة التفسير فى ثلاثين ألف ورقة؟ فقالوا: هذا مما تفنَى الأعمار دونه. فقال: إنا لله. ماتت الهِمم. فأملاه عليهم فى ثلاثة آلاف ورقة.
وسألهم عن كتابة التاريخ من عهد آدم إلى أيامه، مثل ذلك! فاستعظموه. فأملى تاريخه الكبير.
وكان ـ رحمه الله تعلى ـ عابدا زاهدا ورِعا، مشتغلا بالقُرَب والطاعات، مقبلا على التصنيف والإقراء، صادعا بالحق، لا تأخذه فى الله لومة لائم، معرضا عن الدنيا، منقبضا عنها، قانعا باليسير منها، زاهدا فيها، وفى صحبة أكابر أهلها، متحريا
للحلال فى مأكله ومشربه، فكان قوتُه من حصّة خلّفها له أبوه بطبرسْتانَ، يأتيه منها اليسيرُ حينا بعد حين.
ولم يكن يسأل أحدا شيئا، لِما طبِع عليه من عزة النفس والكرامة والشهامة والإباء.
قال له المقتدر بالله: سلنى حاجة، فقال له: لا حاجة لى فى شىء، فألحّ عليه، فقال: تأمُر الشرطة بمنع السُّؤَّال من دخول مقصورة الجامع، يوم الجمعة، فقال له: لك ذلك.
وكان سبب اللقيا أن المقتدر بالله أراد من يكتب له من العلماء كتاب وقف على شروط لا يختلف فيها الفقهاء، فقالوا له: لا يقدر على ذلك إلا ابن جرير؛
فاستدعاه لذلك، فأنجزه على أحسن وجه، وأكملِه.
لكنه رفض أن يأخذ عليه مالا، أو يكون ممن يأخذ جوائز السلطان.
وكان ابن جرير على جادّة السلف فى الاعتقاد والعبادة والسلوك، معظما للشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. وله فى باب الاعتقاد ومناقب الخلفاء الراشدين رسائلُ معروفة.
لذلك كله، كان وافر الحُرمة، عظيم المنزلة فى قلوب المسلمين، يَقْدرونه حق قدْره، ويُجِلّون تفسيره العظيم الذى إذا ذكِر فى مجالس العلم حارت العقول هيبة وإجلالا.
قال إمام الأئمة أبو بكر محمدُ بنُ خزَيْمة، بعد أن طالع، فى بضع سنين، تفسير الطبرىّ، كلمةً كلمة: "ما أعلم تحت أديم السماء أعلم من ابن جرير"؛
وقال لرجل رحل إلى العراق، فى الطلب، كتَب عن بعض الحفاظ، ولم يكتب عن ابن جرير: ليتك كتبت عنه، ولم تكتب عن أحد سواه.
وكان محمد بن خزيمة هذا عصْريَّه وشريكَه فى الطلب، وقصتُهما مع المحمديْن الآخَريْن: المروزىِّ والرُّويانىِّ بمصرَ مشهورة.
وقال الإمام الفقيه الكبير أبو حامد الإسْفَرايينىُّ: لو رحل رجلٌ إلى الصين فى تحصيل تفسير الطبرىّ ما كان كثيرا.
وقال ابن خلِّكان وغيرُه: تاريخ ابن جرير أصحُّ التواريخ.
وقد ألف الطبرىّ فى مذهبه الفقهىّ الذى ضمّنه اختياراتِه واجتهاداته، وتبعه عليه خلائقُ، حتى كان يقال لمن ينتحل مذهبَه: فلانٌ الجَرِيرىّ. لكن مذهبه انقرض، فى جملة المذاهب التى كتِب عليها الاندراسُ، إلا ما يوجد منه تَفاريقَ، فى بطون الأسفار.
ومن يطالع تاريخ بغداد يجد أن جمعا من المترجَم لهم كانوا على مذهبه واختياراته.
نعم، قلّد الشافعىَّ، وأظهر مذهبَه عشر سنين ببغداد ـ حسب اعترافه ـ ومن هنا عده ابن السبكىّ فى طبقاته شافعيا، وعضَد ما ذهب إليه بلفظ مُجْمل قاله ابن المنذر.
لكنّ ابن جرير ترك التقليد رأسا، وكان بذلك حَرِيّا، فقد بلغ رتبة الاجتهاد المطلق غيرَ مُدافَع.
وقد قُسِمت أيام حياته على عدد أوراق تصانيفه، فوجدوا أنه كان يكتب كل يوم أربعَ عشْرةَ ورقة. وقيل: بل عِدة مكتوبه يوميًّا أربعون.
ومناقب ابن جرير، وفضائلُه تربو على العدّ والإحصاء، سطَر منها الخطيب، والفرغانىّ فى المذيّل ـ وهو صلة تاريخ الأمم والملوك للطبرىّ ـ فيما نقله عنه الذهبىّ ـ وابنُ الجوزىّ، وابن الأثير، وابن خلِّكان، والذهبىُّ، فى غير ما مصنَّف، وابنُ كثير، وابن الوردىّ، وغيرُهم  جُمَلا حسانا، يحسُن بالطالب أن يُلِمّ بها.
وقد شاء الله أن تكلم أبو بكر بن أبى داوود فى حديث غدير خُمّ، وادّعى أنه ضعيف، فهبّ ابن جرير منتصرا لتصحيحه، فى مجلدين كبيرين، استقصى فيهما طرُقَه وتكلم على رواته، لكنه مع جمعه وإيعائه، جاء فيه بالغثّ والسمين، كما قال ابن كثير، فى البداية والنهاية.
وانضمّ إلى ذلك ما نُسِب إليه من القول بالاكتفاء بمسح القدمين دون غسلهما، فى الوضوء ـ وهو قول الرافضة ـ ووضْعُه كتابا حافلا فى اختلاف الفقهاء، تجنب فيه ذكرَ أقوال الإمام أحمد، فقيل له فى ذلك، فتذرّع بأنه فقيه، لا محدِّث!
وتلك دعوى أوْهَى من بيت العنكبوت. ويكفى فى ردها، فضلا عما يُعرف من فقه الإمام أحمدَ، شهادةُ شيوخه له بالبصَر بالفقه، كالحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعانىّ، والإمام محمد بن إدريس الشافعىّ. وناهيك بهما.
فرفَع ابن أبى داوود معروضا إلى نصْرٍ الحاجب، يذكر فيه أشياء عن ابن جرير لا تصحّ، بل هى محال، بعبارة ابن الجوزىّ ـ وهو إمام حنبلىّ، كما هو معلوم ـ فطلب منه نصرٌ الجوابَ عنها، فردّ عليه بتكذيبها، ووصف القوم ـ أعنى الحنابلة ـ بأنهم طائفة خسيسة.
فما كان من بعض بغادِدة الحنبليّة إلا أن ضيّقوا عليه، وحاصروه، ولفّقوا عليه التهم والعظائمَ، وأوْعَزوا إلى بعض العوامّ ـ بغْيا وعُدوانا ـ أن يَصِمُوه بالرفض والإلحاد!!! وحاشاه.
قال ابن الأثير، فى الكامل: " كَانَ عَلِىُّ بْنُ عِيسَى يَقُولُ: وَاللَّهِ لَو سُئِلَ هَؤُلَاءِ عَنْ مَعْنَى الرَّفْضِ وَالإِلْحَادِ مَا عَرَفُوهُ، وَلَا فَهِمُوهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مِسْكَوَيْهِ صَاحِبُ تَجَارِبِ الأُمَمِ.
وَحُوشِىَ ذَلِكَ الإِمَامُ عَن مثْلِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ...".
ثم ختم ترجمته متمثِّلا، وأحسنَ فى ذلك:

"حسَدوا الفتى إذ لم ينالوا سعْيَه/ فالقوم أعداء له وخصوم
كضَرائرِ الحسناء قلن لوجهها/ حسدا وبغيا إنه لدميـــــــم".
والحق أن ما كان بين أبى بكر بن أبى داوود وبين ابن جرير، مما يكون بين أهل المعاصرة، كان له تأثير فى إحداث هذه الفتنة، وأن رعاع الحنابلة ـ بعبارة ابن كثيرـ  الذين أرَّثوا نارها، وتولَّوا كِبرها وشَنارها، لم يدفعهم، فى رأى كثير من المؤرخين، إلا إهمالُ ابن جرير ذكرَ أقوال الإمام أحمد رحمه الله.
ثم تمادى الحصار، بمنع حلقاته فى المسجد، فاضطرّ إلى عقدها فى البيت، لكن سرعان ما منعوا طلاب العلم من الولوج إليه. بل لجُّوا فى غيِّهم وبغيهم حتى منعوا الصلاة عليه فى الجامع، لما قضَى، وحالوا دون دفنه فى المقابر العامة، فصُلى عليه فى  منزله، ودُفن فى رحَبته.
لكن لبث أهل بغداد شهورا يُصَلّون عليه ليلا ونهارا، ويذكرون مناقبه وفضائله، ويبكونه شعرا ونثرا.
ومن أحسن مراثيه مرثاة الإمام ابن دريد اللغوىّ له، وهى مطولة أوردها الخطيب بتمامها فى تاريخ بغداد، ومرثاة الإمام ابن الأعرابىّ كذلك.
وصدق الإمام ابن خزيمة إذ قال: "ظلمته الحنابلة".
فكيف بعد هذا يقول ابن السبكىّ، فى طبقات الشافعية،"لم يكن عدم ظُهُوره ناشئا من أَنه مُنع، وَلَا كَانَت للحنابلة شَوْكَة تقتضى ذَلِك، وَكَانَ مِقْدَار ابْن جرير أرفعَ من أَن يقدروا على مَنعه، وَإِنَّمَا ابْن جرير نَفسُه كَانَ قد جمع نَفسَه عَن مثل الأراذل المتعرضين إِلَى عِرضه، فَلم يكن يَأْذَن فى الِاجْتِمَاع بِهِ إِلَّا لمن يختاره، وَيعرف أَنه على السّنة...".؟(3/125).
والرد عليه من كلام ابن الأثير، فى الكامل:
""وَدُفِنَ لَيْلًا بِدَارِهِ، لِأَنَّ العَامَّةَ اجْتَمَعَتْ، وَمَنَعَتْ مِن دَفْنِهِ نَهَارًا"، وبقوله رادا على ابن مسكويه:
"وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ تَعَصُّبِ العَامَّةِ، فَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا بَعْضُ الحنَابِلَةِ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ، وَوَقَعُوا فِيهِ، فَتَبِعَهُمْ غَيْرُهُمْ".
فالتعصب عليه من بعض الحنابلة، وبعض العامة المغرَّر بهم، كما ترى.
وقد وصف ابن كثير، فى البداية والنهاية، الأولين بأنهم من رعاع الحنابلة، كما تقدم. ثم إن نفى ابن السبكىّ عجْز الحنابلة عن ذلك، يردّه أنهم منذ محنة الإمام أحمد صارت لهم صولة وشوكة ببغداد، وأنهم سوف يُحْدِثون بها فتنة، بعد وفاة الطبرىّ بثلاثَ عشْرة سنة، عُرفت عند المؤرخين، بفتنة الحنابلة. وهى تنبئ عن قدر من القوة، لا يمكن أن يكون قد حدث من فراغ.
يقول ابن الأثير، فى حوادث سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة:
"وَفِيهَا عَظُمَ أَمْرُ الحَنَابِلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَصَارُوا يَكْبسونَ مِن دُورِ القُوَّادِ وَالعَامَّةِ، وَإِنْ وَجَدُوا نَبِيذًا أَرَاقُوهُ، وَإِن وَجَدُوا مُغَنِّيَةً ضَرَبُوهَا وَكَسَرُوا آلَةَ الْغِنَاءِ، وَاعْتَرَضُوا فِى البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَمَشْىِ الرِّجَال مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوهُ عَنِ الَّذِى مَعَهُ مَنْ هُوَ، فَأَخْبَرَهُمْ، وَإِلَّا ضَرَبُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالفَاحِشَةِ، فَأَرْهَجُوا بَغْدَاد". (الكامل فى التاريخ: 7/40).
ومما يفسر لك جانبا من أسباب تحامل ابن السبكىّ عليهم ما كانوا يُلحِقونه بالشافعية من الأذى.
يقول ابن الأثير، فى سياق هذه الفتنة:
"وَكَانُوا إِذَا مَرَّ بِهِمْ شَافِعِىُّ المَذْهَبِ أَغْرَوْا بِهِ العُمْيَانَ، فَيَضْرِبُونَهُ بِعِصِيِّهِمْ، حَتَّى يَكَادَ يَمُوتُ".
والحق أن هذه أفاعيل طائفة منهم، شاركتها العامة فى تلك الطوامّ. وهو ما أكده ابن الأثير، فى سياق حديثه عن الطبرىّ رحمه الله.

***
وأما الشانئ الأبتر، في هذه البلاد، لهذا العهد، فأىّ علم معه حتى يُمتحَن بمنعه؟ وأىّ دين عنده يوم سب الرسول الأعظم، غير دين أبى لهب؟
وأىّ فرق بينهما يومئذ تسفيها له وسبّا؟ فسحقا له وتَعسا وتبّا.
لقد وصَف النبىَّ المصطفى صلى الله عليه وسلم بالجَور والظلم، وتعاطف مع أعدائه من يهود قريظة والنضير؟
ثم هو لم يُقتل! وأخشى أن لا يقتل!
فقد وُجد من يحامى عنه، ومن يسوّف فى شأنه، ومن يتنصل، ومن يتأول، ومن يبحث عن خلاف فى المسألة، ومن يصمُت من الخطباء والفقهاء والساسة، ومن يخرِق سيادة البلد من سفارات ومنظمات تحاول التدخل فى القضاء!!!
ولو نطَقت المحكمة بقتله، فى الجلسة القادمة، ـ وما إِخالها تفعل ـ لما كان ذلك دليلا على إنفاذ حكم الله فيه، كعشراتٍ أو مئاتٍ غيرِه من المجرمين والقتَلة، فالغالب أن الحكم ـ إن صدرـ سيُهمل فى الرفوف، ويترك المجرم فى معتقَله إلى أن يفرّ، أو يطلق سراحه، بل إن النطق بالحكم قد يؤجل مرة أخرى، أو يخفف إلى التبرئة، أو ما يقاربها، مع تعزير رمزىّ يسير.
وقد تحقق أحد هذه الاحتمالات، فرغم احتشاد الألوف المطالبين بقتله يوم 31 يناير 2017م، فقد صُدم الرأى العامّ بالتأجيل مرة ثالثة، أو رابعة!!! والله المستعان.
فلماذا المقارنة؟ وكيف؟ ومن أىّ وجه؟ 
فهيهات هيهات، ثم هيهات، هيهات!!!
***
حرره إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدىَ
فى/ نُواكشوط، بعد التأجيل المذكور بيومين.
***
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).