عيدٌ مع أم معبدٍ / أحمد ولد بزيد

اثنين, 12/12/2016 - 11:20

دعاني صديق سعودي إلى بيته في الطائف، فاعتذرت منه، وقلت له: لا أحب الطائف، فاستفسرني عن السبب؟ فأجبته: بأن الأمر متعلق بـ "شَوْفَه دَرْسْ" لا داعي لشرحها، بعدها بأيام، دعاني إلى وليمة في باديته، فأجبت الدعوة، كان النسيم - ليلتها - عليلا والقمر منيرا ولبن النوق صريحا.... أحسست بهدوء بالٍ، وروْحٌ يلامس النفس!! سألني المُضيف: هل تعرف هذا المكان؟ قلت لا، قال هذه بلدة تدعى "اذْوَيْبَاتْ" منازل بني سعد، حيث كانت حليمة السعدية! فقلت: ذاكُ الحَكْ اعْرَفْتْ آنَ عن طابت نفسي، وانجلى الرانُ عن قلبي!!!

لما أخرج من مكة إلى طيبة أتحرى المرور بـ "قُديدٍ" ولما أوازيه ألتفت بكلي إلى حيث كان الذي كان، ولا يدور في خلدي أيانها غير تكرار ظَهْر الشَّوْرْ: "يَلَّالِي الَّ دَارْ امْجِ وَلْ اليَدَالِي"

ذكرى المولد هذا العام موافقة ليوم الإثنين، واليوم مصادف ليوم قالوا عند أم معبد، وفي الشهر الأغر ذاته، إذ خرجوا من الغار ليلة الإثنين لأربع ليال خلون من ربيع الأول! وقد جانب عبد الله ابن أريقط معتاد الطريق، غرض التعمية على قريش، وحذر الطلب، يَغيْر امَّلِّ في أزل العلم طلبٌ آخر لخيمة أم معبد، لكون مفهوم المصادفات منبت الوجاهة أمام قوله تعالى: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" وقوله: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا" وقوله: "وكل شيء عنده بمقدار"

الصوت الذي سمع بمكة عاليا، في بيان فحواه شيء من ذلك:
جزى الله رب العرش خير جزائه --- رفيقين حلا خيمتي أم معبد

يَسْوَا گَاعْ ابن أرقيط سلك بهم أسفل مكة في متجه الساحل حتى عارض "عسفان" ثم إلى "أمج" حتى أجاز "قديدا"... تلك المواطن ملأى بأحياء بني بكر وخزاعة وهذيل.... يَغَيْر الِّ موْعودْ الَّا خيمة أم معبد! وعلى الله قصد السبيل.

إن للمتصور أن يلقيَ الأزمة تلقاء ذلك الضحى حين بركت القصوى أمام الخيمة، وأم معبد مسوقة بسياقات الاختيار إلى القيام عند محاسن الظن:
وانـــتومَ ذَاكْ اتْـــــنَزْلُوهْ --- لَلِّ جَـــاكُمْ عَــــــفَاكُمْ
وامْنَادمْ جَاكُمْ مَاتْجُوهْ --- تَحْتْ الظَّنْ إِلَ جَـاكُمْ

اتفق أهل السير أن أم معبد عاتكة بنت خالد ابن خليف الخزاعي كانت مرأة جلدة برزة تحتبي بفناء خيمتها، وكما اتفق أهل السير على ذلك أجزم أنا أن احتباء أم معبد خَسْرتْ حَالتُو سريعا حين القدوم المبارك، والدليل منا لا يطلب تعلة، لبسيط التعليل بكون المراد أمَّ معبد وحدها، فإذا كان المطلوب غيرها، ما كان المرور بها، خاصة أنهم قبل قدومهم عليها مروا ببريدة ابن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فأسلموا واعتذروا عن قلة اللبن، وقالوا مواشينا شُصُص، وجاؤوا بلبن قليل، فشربه أبو بكر، ودعا لهم بالبركة.
إذا لو كان المرور بأم معبد غرضه القِرى، لاكتفوا بشياه قوم بريدة، ومسح الحبيب صلى الله عليه وسلم ضروعها وجاء منها ما يكفي من اللبن، وواصلوا السير إلى يثرب، يَغَيْرْ المرور بأم معبد سبق عناية لها في قديم العلم.

خبر الشاة - وإن اشتهر أمره - جاء وروده ضمن كثير من الموارد في ذلك اليوم، يَغَيْرْ سواد الناس يقفون مع الخارق دون بواطن الأشياء وظواهرها، وأصلا گَاع الخوارق حواجب!!

خبر الشاة سأورده كاملا، لكن هناك رواية أخرى عجيبة أوردها البلاذري - وهو من الدقة بمكان - قال: "فأتت أم معبد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مَصور ليذبحها، فمسح ضرعها، فإذا هي ذات درٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: لا تذبحيها، فأتت بشاة أخرى فذبحت وطبخ لحمها، فأكلوا، وسفَّرتهم منها أم معبد ما وسعته سفرتهم، وبقي أكثر اللحم عندها"!!

الرواية المشهورة أنهم لما حضروها سألوها شراء لبن أو تمر، فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، فنظر رسول الله صلى عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم، فسألها هل بها من لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ فقالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها ومسح ضرعها، فتفاجت ودرت واجترت، فدعا بإناء لها يُربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثمال، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها، ثم ارتحلوا عنها، فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيلا عجافا هزلى، يتساوكن، مخهن قليل لا نِقًى بهن، فلما رأى اللبن عجب! وقال: من أين لكم هذا؟ والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت ؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله لأراه صاحب قريش الذي تطلب.

سنْتَاتْ البركات اصَّ تترى، ولَا يُسَولْ گاعْ، فما كانوا منذ ذلك اليوم يقولون إلا الرجل المبارك، واكتفوا من الاسم بذلك النعت، وقد أورد ابن قتيبة حديثا في تلك البركة، قال: إن آل أم معبد كانوا يؤرخون بذلك اليوم، ويسمونه يوم الرجل المبارك يقولون: فعلنا كيت وكيت قبل أن يأتينا الرجل المبارك، أو بعد ما جاءنا الرجل المبارك...
وقد قدمت أم معبد المدينة بعد ذلك، معها ابن لها صغير قد بلغ السعي، فمر على المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس على المنبر، فانطلق يشتد إلى أمه، وقال: يا أماه إني رأيت الرجل المبارك، فقالت له: ويحك يا بني! إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يروى أن ابن حجر الهيتمي كانت فيه حدة، ولا يخفى ذلك في ترجيحاته للقضايا، ففي شرحه الشمائل للترمذي، لاحظت ذلك في قضية عدم القَرَن حين تعصب لوصف هند ابن أبي هالة، وجاء بغير اليسير من مدعمات ترجيحه لتضعيف قول أم معبد في القَرَن!! لكن قيل إن وصف المرأة للرجل ربما أدق من وصف الرجل للرجل.

وسأدع ختام هذا مسكا، مع جواب أم معبد لزوجها أبي معبد أكثم ابن الجون ابن منقذ الخزاعي، حينما قال لها: صفيه لي، فقالت: "رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزربه صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.

وأما الشاة فقد ماتت عام الرمادة، روي أنها كانت تحلب صبوحا وغبوقا وما في الأرض شيء!!
وقد أورد ابن قتيبة عن هشام بن حبيش الكعبي قال: رأيت تلك الشاة وإنها لتأدم لأم معبد وجميع صرمها من أهل ذلك الماء.

يَفَگّدني أرَاهُومَ لذاكْ قدموا منازل بني عمرو ابن عوف بقباء - على الراجح - يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول!!
ذا بعدْ كامل الَّـا مَزَالْ يوم الإثنين وشهر ربيع الأول!!!