الاسترقاق بين جدلية الدولة والقبيلة / السيد ولد صمب أنجاي

اثنين, 09/30/2019 - 10:48

قيل قديما لقد اخترع الناس الدولة كي لا يطيعوا الناس من هذه المقاربة يمكن تعريف الدولة بأنها جهاز سياسي قانوني متطور ينظم المجتمع ويضع الخطوط العامة للنهوض بالوطن والمواطن ,أما القبيلة الوجه الآخر للدولة ويدها التي تبطش بها ’ فهي عبارة عن نظام اجتماعي بدائي قائم على الاستقرار المكاني وعاطفة الجماعة,ووجدت قديما كي تنتظم بها حياة جماعة ما ولتتعارف فيما بينها. فأيهما الأخطر على بنية النسيج الاجتماعي ,بمعنى آخر هل يمكن القول تجوزا إنهما وجهان لعملة واحدة من حيث التعامل مع ظاهرة الاسترقاق المشينة والرجعية من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان الذي كرمه الله من فوق سبع سماوات؟ .

فكما العادة يتم اكتشاف حالة استرقاق في بعض جيوب مناطقنا النائية لكن سرعان ما يتم التستر والتكتم  عليها بفعل تدخل النافذين بالدولة وهو ما يحول دون تطبيق قانون مكافحة الرق المصادق عليه من طرف الحكومة ,فكيف يمكن والحالة هذه أن نقضي على الاسترقاق في ظل تكتم السلطة على وجود حالات استرقاق وحماية تامة للاستعباديين ,ليظل بذلك ممارسو الاسترقاق في مأمن وحماية تامة  من لدن الدولة  والقبيلة والمتحالفين مع جنجويد المشرعين تدينا للاسترقاق .

وعود على بدء نجد أن أكبر المشاكل التي تعيشها موريتانيا اليوم هي ظاهرة التداخل والتحالف المنظم والممنهج بين القبيلة والدولة حتى أنه يصبح من العبثي الفصل بين الدولة والقبيلة ,بمعنى آخر يصبح المرء حيرانا أهو في دولة حديثة تساوى بين أفرادها أم في تجمع أعلى للقبائل والتحالفات العشائرية  ومن ثمة يكون حكامنا في منأى عن إقامة الدولة الراعية التى يجب فيها الفصل بين القبيلة والدولة ’ 

فأنت عزيزي القارئ تكاد تجد أن كل شيء  لا يمنح إلا على أساس الو لاءات الضيقة ’ فالامتيازات لا تمنح حسب الكفاءة والأهلية ,مما يضفى بظلاله المؤلمة والموجعة على محيا الأرقاء والأرقاء السابقين وتكون نتيجة ذلك لا تتجاوز دولة الجماعات  الحاكمة وبمباركة وتزكية من بعض النافذين الذين تحركهم الأطماع  والمحمية من لدن السلطة ,وهذه الجماعات هي التي تستفيد لوحدها من ثمار الدولة وامتيازاتها تاركة الأرقاء والمهمشين يعانون من الفقر المدقع والأمراض الفتاكة والتي ستقضى على ما تبقى من فضلات السلطة بعد أن تخلت عنهم إبان حمل شعارات طوباوية على سبيل المثال لا الحصر’ دولة العدالة والمساواة ولتعبث بهم أيادي القدر والزوال والفناء والعدمية الأبدية وليطبقوا بذلك المقولة {الهوبزية } { إذا أردت أن تسيطر على المجتمع فاقتل نصفه من أجل أن يعيش النصف الآخر} كل هذا وذاك يؤدى إلى كثرة الأصوات المطالبة بالعدالة ويؤدى إلى الإحساس بمرارة ومأساة الظلم الايجابي ـ باعتبار الظلم أحيانا ليس ايجابيا ـ { وان قيل من الظلم تولد الحريات} فبقدر ظلم الإنسان بقدر إحساسه ووعيه المتنامي بحقوقه والبحث عنها ’ ففي ظل الظلم والغبن يكون الوطن في غير مأمن وهو ما يؤدى إلى كثرة الانقلابات والانفلات الأمني’ مما يستدعى إصلاحا جذريا ظاهره يحمل الإصلاح الجذري وباطنه يحمل التنكيل والتغرير والوعيد لكل من يعارض السلطة وينافح ويكافح من أجل العدالة والمساواة ,وهي لعمري مسألة تتكالب فيها الجماعات النافذة والمتسلطة على السلطة والمال والجاه باعتبارها امتيازات يجنيها هؤلاء مكافأة لهم عند ارتهانهم للبلد,واختطافهم له.ومن ثمة يمكن الحديث عن طبيعة الجماعات الحاكمة التي تحدثنا عنها للتو وهي عبارة عن تحالف شيطاني مارد يضم الممسكين بزمام السلطة أيا كانوا وكيف ما كانوا وعادة ما يكونوا عسكريين تحميهم القبائل وتشرعن لهم المؤسسة التدينية الغير عاملة وزمرة المثقفين المدجنين والمنومين مغناطيسيا وسياسيا وتداهنهم و تتماهى معهم رجالات الأعمال الجدد المصطنعين مزاجيا وقبليا وبذا تكون الدولة في موقف حرج تحسد عليه ,فتكون مجبرة في التعامل مع هذا الكشكول المتلون  ذي المطالب المتباينة والمتعددة التي لا يجمعها سوى تقسيم الكعكة لتغدو بذلك الدولة مفتقرة وفقيرة فيتيه الرقيق المسكين في غياهب الحرمان والفاقة ,لأن هؤلاء من قادة رأي وعلماء ومثقفين ورجال أعمال ليس لهم من اله يعبدونه غير الثراء الفاحش والحصول على امتيازات الدولة وبأقل تكلفة وأقصر الطرق ,ولو أنصف الدهر لجاز القول إن مؤسسي الدولة الأوائل حاولوا تجاوز القبيلة شيئا ما وكل ما من شأنه تقويض الدولة لصالح هذه الأخيرة ولكل مكوناتها الشعبية وبمختلف أطيافها ومشاربها السياسية رغم صعوبة الوضعية وشح الموارد وفى ظل مجتمع قبلي بدوي لا عهد له بالدولة ونشير إلى أنه إذا كانت الدولة مختطفة ومرتهنة لصالح ثلة من الناس فان القبيلة هي الأخرى مختطفة ومرتهنة من قبل مجموعة قليلة ’ هكذا ندعو من خلال هذا المقال المتواضع إلى أن تتحمل الدولة مسؤولياتها ـ خاصة أنها الآن تملك قيادة متنورة ـ تجاه الأفراد وتستجيب لمطالب الشعب ,كما ندعو إلى تقويض البني الاجتماعية التقليدية والتي وضعتنا فيما نحن فيه اليوم وكسر وتحطيم أصنام الحواجز والفوارق بين الطبقات ,فنحن بحاجة ماسة إلى التماسك الاجتماعي أكثر من أي وقت مضي ’ على الرغم من أن قيام دولة تحالف الجماعات هي الوريث الشرعي للعودة إلى طبقة النبلاء وأبناء الشيوخ وإذكاء روح النعرات, وهو ما ينتج عنه بروز تصاعد وتيرة النضال الذي تخوضه أطراف وأطياف سوسيوـ بوليتيكية كالقيادات المتنورة من مختلف الشرائح المجتمعية التي برزت أخيرا مطالبة بالعدالة وإقامة دولة الحق وبعيدا عن دولة الأعيان أو الفرد والقبائل باعتبار هذه الأخيرة إطار هرمي تسلطي لا يعبأ بالعدالة ولا يقيم وزنا لحقوق الإنسان وهي مسؤولة بالدرجة الأولى عن التراتبية الطبقية والاسترقاق واضطهاد المرأة والنظرة الدونية للشباب مما يفاقم ظاهرة اللاأمن واللااستقرار اللذين هما عاملا هدم للتنمية المستديمة  وتماسك المجتمع . وعلى الرغم من الجهود المبذولة من طرف الدولة حاليا  للقضاء على ظاهرة الاسترقاق والغبن من خلال برمجة  مشاريع تنموية سيكون لها انعكاس على المغبونين إلا أن الدولة لا تزال عاجزة عن اتخاذ إجراءات مستعجلة على مستواها  من أجل التغيير المنشود الذي يحلم به الأرقاء والأرقاء السابقون والمغبونين بغية تطبيق برنامج رئيس الجمهورية ’ فنحن أحوج اليوم إلى إجراء تغيير جذري على مستوى الأجهزة ذات المرد ودية الحيوية ولها انعكاس ايجابي على حياة المواطنين ’ قد يكون عامل الزمن هو الحائل دون ذلك ’ زد على ذلك البحث الدؤوب عن الشخص  المناسب في المكان المناسب القادر على إحداث تغييرات بنيوية وإجرائية على مستوى القطاعات الحكومية وهو ما تمثل سويا في رأس هرم السلطة وحين تشكيلة الفريق الوزاري الذي سيعكف على تنفيذ البرنامج الانتخابي للرئيس ’ لكن قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فالإدارة مسبقا حبلى بالتعيينات القبلية والجهوية والعشائرية و القراباتية وهي تركة ثقيلة تنوء منها الجبال وقضية تحريك هذا الجليد القبائلي ـ الجهوي ’ العشائري ـ القراباتى يحتاج إلى الوقت ’ لكن صبر الجوعى قد لا يطول سيدي الرئيس نظرا لاكتواء أمعائهم بلظى الفقر الذي أضحى لا يطاق والإملاق يضرب محياهم’ فمتى الفرج سيدي الرئيس وأمعاء الفقراء لسان حالها يقول :

لقيتها ليتنى ما كنت ألقاها : تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابها رثة والرجل حافية : والدمع تذرفه في الخد عيناها

بكت من الفقر فاحمرت مدامعها : وأصفر كالورس من جوع محياها

هذى حكاية حال جئت أذكرها : وليس يخفى على الأحرار فحواها

سيدي الرئيس هذه حال الأرقاء والمغبونين صورناها من خلال لوحة واقعية عاشتها هذه الفئات من شعبنا الأبي وهي تراكمات لكنها إن وجدت الإرادة الصادقة منكم وهو ما يحدو بنا إلى القول بأنكم جديرون بذلك ولا محالة  ستغيرون واقعهم من الحسن إلى الأحسن إن شاء الله تعالى وقد يتساءل البعض عن فحوى إدراج أبيات معروف الرصافي في الموضوع ’ نظرا إلى أن حالة المرضعة هي نفسها حالة فقرائنا ومغبونينا ’ حيث الخطوب وتضور أمعائهم التي ـ نرجو أن تسامحنا ـ أثقلت كاهلهم وأحوالهم والتي يرثى لها مطالبا أحرار العالم العون والعطف والمواساة لهذه الأرملة الضائعة ’ كذلك نرجو من فخامة الرئيس أن يسعف المغيونين بتعجيل الإمدادات الغذائية وتوفير التعليم والصحة والسكن اللائق من خلال البرامج { الشيله وداري } الطموحة التي أعلن عنها إبان الانتخابات الرئاسية الماضية وترجمها خطاب تسليم السلطة وانعكس على تقديم معالي الوزير الأول لبرنامجه الحكومي الطموح بعد التنصيب والذي باركته وزكته الغرفة البرلمانية .

ذ ـ السيد ولد صمب أنجاي

كيفه بتاريخ : 30 ـ 09 _ 2019