العظمة والكبرياء لله / الطيب ولد سيد أحمد

أربعاء, 04/08/2020 - 20:19

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم؛ وأخذ عليه الميثاق وهو في عالم الذر بالإيمان بالله ربا واحدا لا شريك له ولا معبود بحق إلا هو؛﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم....﴾ .

   وفضله على كثير من مخلوقاته ﴿ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن  خلقنا تفضيلا﴾واتخذه في الأرض خليفة﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ واستعمره فيها﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ... ﴾  ومكن له فيها بالتسخير﴿ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ وكلفه بعبادته﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾ وأرسل إليه رسله الكرام﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ .

   هذه المسطرة الذهبية المغرية تكفل للإنسان سعادة الدنيا والآخرة إن هو أحسن الوقوف عند حدود الخالق أمرا ونهيا:﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾.

  ونحن في هذا المقام لسنا في وارد محاكمة الإنسان تاريخيا بمقتضيات هذه النصوص بقدر ما نحن معنيون فقط بوقفة تأمل أمام بطش وفتك وتمرد إنساننا المعاصر .

  هذا الإنسان الذي انتهت إليه تجارب الأمم والحضارات السابقة في مختلف أبعادها وبلغ من التقدم العلمي والرخاء المادي مبلغا يفوق التصور حتى غدا يدير الكرة الأرضية بالأزرار ويتفرج عليها بالأقمار الصناعية؛ فعميت عليه ماهيته وأخطأ التقدير في وظيفته الأساسية فطغى وتجبر وعاث في الأرض فسادا .

   ومن سنن الله في خلقه أن يعاقبهم بما شاء من العقوبات كلما بلغوا مبلغا من العتو لا تستقيم معه حياة الناس وتنتفي معه الحكمة من الاستخلاف في الأرض .

   دعونا نتصفح نموذجا صارخا من نماذج التمرد على سلطة الباري جل وعلا؛ والتنكر لقيم الإنسان من حيث هو إنسان نتصفح فقرات من خطاب منسوب إلى اترامب عن طبيعة النظام العالمي الجديد كما يراه هو حسب الخطاب المنشور على حساب(المحور المصري) وعلى صفحة الدكتور محمد راتب النابلسي بعنوان (خطاب اترامب المرعب)؛ حيث يقول:( أيها السادة : اليوم قررت أن أخبركم بكل ما يجري وإلى أين يتجه العالم في ظل كل التغيرات التي حصلت طيلة(400)عام.

  تذكرون عام(1717) الذي شهد ولادة العالم الجديد وتذكرون أن أول دولار طبع عام 1778 ولكي يحكم هذا الدولار العالم كان بحاجة إلى ثورة فكانت الثورة الفرنسية عام 1789 تلك الثورة التي غيرت كل شيء ومع انتصارها انتهى العالم الذي كان محكوما بالأديان والمثلوجيات طيلة 5000عام؛ وبدأ نظام عالمي جديد يحكمه المال والإعلام؛ عالم لا مكان فيه لله ولا للقيم الإنسانية ..... لا تستغربوا أننا عينة من هذا النظام العالمي الجديد ؛هذا النظام يعرف طبيعة عملي الخالي من القيم الإنسانية والأخلاقية .

  فأنا لا يهمني أن يموت المصارع يهمني فقط أن يكسب المصارع الذي راهنت عليه؛ ورغم ذلك أوصلني النظام العالمي إلى الرئاسة ؛ أنا الذي أدير مؤسسات القمار وأنا اليوم رئيس أقوى دولة في العالم .

   إذن لم تعد المقاييس الأخلاقية هي التي تحكم العالم الذي يحكم العالم والكيانات البشرية هي المصالح .

   لقد عمل نظامنا العالمي بصبر ودون كلل حتى وصلنا لمكان انتهت معه سلطة الكنيسة؛ وتم فصل الدين عن السياسة ؛ وجاءت العلمانية لمواجهة المسيحية، وأسقطنا ما يسمى بالخلافة الإسلامية العثمانية؛ وحتى الديانة اليهودية أسقطناها عندما ورطناها معنا في هذا النظام ؛ فأغلبية العالم تكره السامية لذلك قمنا بسن قانون يحمي السامية ولولا هذا القانون لقتل اليهود في كل بقاع الأرض  .

  لذلك عليكم أن تفهموا أن النظام العالمي الجديد لا مكان فيه للأديان؛ لذلك تشاهدون اليوم كل هذه الفوضى التي تعم العالم من أقصاه إلى أقصاه إنها ولادة عالم جديد ولادة ستكلف الكثير من الدماء وعليكم أن تتوقعوا مقتل عشرات الملايين حول العالم .

  ونحن كنظام عالمي غير آسفين على هذا الأمر؛ فنحن اليوم لم نعد نملك المشاعر والأحاسيس؛ لقد تحول عالمنا إلى ما يشبه الآلة .

  مثـلا سنقتل الكثير من العرب والمسلمين ونأخذ أموالهم ونحتل أراضيهم ونصادر ثرواتهم ؛ وقد يأتي من يقول لك إن هذا يتعارض مع النظم والقوانين؛ ونحن سنقول لمن يقول لنا هذا: إنما نفعله بكل بساطة بالعرب والمسلمين أقل بكثير مما يفعلون بأنفسهم .... إنهم خونة أغبياء ....) .

 

ما كل ما يتمنى المرئ يدركه ** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
 

  سواء أصحت نسبة هذا الخطاب إلى اترامب أم لا فإنه يعبر بصدق عن طبيعة النظام العالمي الجديد الذي يروجون له ويسعون من اجله﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ ﴿ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ ﴿يدبر الآمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ ﴿ذي الطود لا إله إلا هو إليه المصير﴾.

    ألا ترون كيف أنهار هؤلاء الجبابرة وخارت قواهم وسقط في أيديهم أمام فتك مخلوق ضعيف حقير لا يرى بالعين المجردة؛ بل يتعذر رصده على معظم المختبرات المزودة بالمجاهر الضوئية المتطورة والكوادر المتخصصة؛ إنما آمنوا بوجوده غيبا رغم مجاهرتهم بالتنكر للغيب وبهتوا منه لبطشه وهو الفيروس اللغز.

  ليس هذا الكلام من باب التشفي بل هو من باب العبرة والعظة؛ فالتطاول على الله والكفر بنعمه والتباهي بالافراط في ظلم عباده مدعاة لسخطه وانتقامه ؛ نعم قد يقال إن الأوبئة والأمراض ظاهرة مشاعة لا تعرف التقسيمات الاجتماعية والدينية ولا الحدود السياسة ولا الطبيعية؛ لا مشاحة في ذلك لكن إصابة المجتمعات الهشة بالأوبئة والأمراض أمر مألوف ولا يلفت الانتباه ؛ اللافت أن تقتحم البروج العاجية لعمالقة الأرض وجبابرتها قبل غيرهم فذاك ما يدعو إلى التدبر والتأمل والاعتبار.

  لقد استطاع هذا الكائن الخفي الحقير بقدرة قادر أن يحيد كل عوامل القوة والجبروت التي يتياهى بها طغاة الأرض ليلج بسهولة وثبات وتحد إلى مجمع الأضغان لأعتى عتاتهم ورموز قوتهم وجبروتهم فيذرهم قابعين في زنازين الحجز الصحي الانفرادي ويكتسح عاصمة العالم نيويورك ليعلنوها مدينة منكوبة ويخضع اترامب وأترابه إما للفحص أو الحجر حتى طالت الإصابة زوجة رئيس الوزراء الكندي وقاه الله شر الإصابة بما حباه من تميز؛ إنه يكاد يكون نجاشي عصره حيث تدمع عيناه لسماع تلاوة القرآن ولا يظلم عنده أحد .

   ناهيك بما عاشته الصين قبل ويعصف الآن بسائر مدن الولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وإسرائيل وسائر أمم الأرض﴿إلا من رحم ربك﴾ وهو ما أوجد حالة من الهلع والخوف غير مسبوقة؛ ولا قوة في الأرض بيدها حبل نجاة ﴿وكذلك اخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه اليم شديد ﴾ .

   ونحن إذ نسجل تعاطفنا مع سائر المنكوبين والمغبونين والمضطهدين من شعوب الأرض ونرجو الله رفع البلاء عنهم لنعلم وهو يعلمون ربما أكثر منا أنهم اقترفوا من الآثام بحق شعوبنا وسائر الشعوب المستضعفة ما يرشحهم لغضب الله وانتقامه .

   لا غرابة أن تسفر هذه الجائحة الفتاكة عن صحوة ضمير عالمية وإنابة وتأمل وإنكسار تفضي إلى التوجه إلى مالك الملك الذي بيده الفرج وحده مصداقا لقوله تعالى﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ﴾ .

    فنرى الآذان يرفع من مآذن مساجد العواصم الغربية بعد مئات سنين من منعه ونرى (بابا الفاتكان) يصحوا ليطلب من معبوده أن يستيقظ وان لا يتركهم في ضيعة ؛ ونرى اترامب نفسه يجتمع برجال الكنائس والصوامع في البيت الأبيض ويطلب منهم الصلاة من اجل أمريكا .

﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾

سبحانك ما عبدناك حق عبادتك

﴿ ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾

﴿ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾

 ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾.