العالم اليوم: بين بئر معطلة ..وقصر مشيد / د.المهابة محفوظ

خميس, 04/16/2020 - 19:49

 

قال تعالى في سورة الحج: “فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ولكن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " (46).

لا شك أنه بسبب الظلم القائم فقد حصل الهلاك الشاخص في الأمم السابقة فخوتْ القرى على عروشها، وعُطِّلت بئر المناشط والمنافع، واختفت الحقيقة وشخوصها، وبقيت صورة الحياة ورمز الحضارة، وهي "القصر المشيد" فكما جعل الله ما حلَّ بالأمم السابقة عبرة للعقلاء والمتدبرين فقد جعل الله كذلك قصة يوسف مدرسة للنظر والاعتبار قال تعالى في سورة يوسف:" لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ (111).

واليوم مع القارعة الوبائية الجديدة يترسخ الظلم المقنن، ويزداد العمى العالمي فلا قلوب تعقل، ولا آذان تسمع، ولا نفوس تتعظ وتعتبر وتتفاعل مع الرسالة كلا بل أغلبهم محجوب بالمسبَّب عن المسبِّب، وبالظاهرة عن عللها الحقيقية وقراءتها الصحيحة وفق سنن الله الكونية والاجتماعية والحضارية.

ليس غريبا ولا مستحيلا أن تكون يد الإنسان الآثمة قد تدخلت وفق سنن الله في الخلق والهندسة الوراثية في تصنيع هذا الكائن المجهري العجيب ثم تسرب بقصد أو بغير قصد إلى جهات معينة ثم انتشر الفيروس وبائيا في العالم أجمع. وسواء كان هذا الفيروس مصنعا للغزو والسيطرة أو كان مُسيَّساً من باب الهيمنة والحروب البيولوجية أو كان مخلوقا أصيلا ولا دخل ليد الانسان فيه إلا أنه في كل الحالات سيبقى قدر ا من أقدار الله، وآية من آياته، وجندا من جنوده... جاء لمهمة تقتضيها حكمة الحكيم وعلم العليم ورحمة الرحيم سبحانه.

قال تعالى في سورة الحديد:" مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22). والمصائب هنا إما أن تكون مصائب في الأرض جدبا وقحطا وفسادا في الزراعات والمحاصيل ورفعا للبركة من الأرزاق. وإما إن تكون في الأنفس من أمراض وأوصاب وأسقام وأوجاع وأوبئة وكوارث، وقد يصل الأمر إلى جوائح تصيب الناس في أرواحهم وأبدانهم وأموالهم وثمراتهم كما هو حاصل للبشرية الآن في جائحة كرونا. وإنما يحصل ذلك بسبب الظلم والمعصية والفساد وما اجترحته أيدي الناس من الذنوب التي تورث المقت والغضب والعقوبة، فهل وصلت الرسالة؟

 كرونا آية وقدر... وكرونا بيان وتذكير.... وكرونا رسالة وتعليم... فأين تعامل أصحاب العقول والحكمة والرشد في العالم أجمع مع رسائل الكرونا البليغة والعابرة للقارات بما تحمله من الأهداف والمعاني الصريحة والحافَّة؟

نعم، إنه قدَرٌ وبائي يغالب بقدر علاجي يتجسد في الإجراءات الصحية والاحترازية والأشفية المبتكرة واللقاحات التي يجعل الله فيها الشفاء. وهكذا فقَدَرُ الجوع يُغالَب بقَدر الطعام، وقدر الجهل يغالب بقدر العلم، وقدر الفقر يُغالَب بقدر البحث عن الرزق.  وتلك سنة الله في مغالبة الأقدار بالأقدار كما قال عمر بن الخطاب في محاورته مع أبي عبيدة بن الجرَّاج حين كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريقه إلى الشام، سمع بنزول وَباءِ الطاعون بها، فرأى ألا يَدخُلَها، لئلا يتعرَّض هو ومن معه لهذا الوباء، فقال أبو عبيدةَ: أفِراراً مِن قَدَرِ الله؟ فقال عمر: “أَوَ غَيرَكَ قالها يا أبا عبيدة، نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كان لك إبلٌ، فهبطَتْ وادياً له عُدْوتان، إحداهما مُخْصِبة، والأخرى جَدْبَة، أليس إنْ رَعَيتَ الخِصْبة، رَعَيْتها بقدر الله، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَة رَعَيْتها بقدر الله؟ وهكذا يفهم المسلم عقيدة القضاء والقدر الثابتة في القرآن والسنة، ومن ذلك قضية وباء الكورونا..

إنه آية تعليم وتفهيم واعتبار. وإنه بيان بليغ ناطق بلغته المجهرية المؤثرة في العالم كله. وإنه رسالة تقرأ بجميع اللغات والحروف الأبجدية والحروف التقنية.  فأين أولوا الألباب الذين يقرؤونها قراءة تدبر وتفكر ويتعقلون وينتفعون ويتقون ويخشون:

قال تعالى في سورة الطلاق:" وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الذين آمنوا َقدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور".

إنها لغة "الحساب الشديد" و "العذاب النُّكْر" و " الوبال" و "الخُسر" و" العذاب الشديد" فما السبب في هذه العقوبات الإلهية الغليظة على القرى والمدن والحواضر الكبيرة؟ إنه عتو المعاصي والكفر، وعتو التجبر والبطر والعلو في الأرض بغير حق.

ومن المؤلم أنه بسبب الغفلة والجهالة وطمس البصيرة لم نر إلا الأوبئة الحسية ولم نر الأوبئة المعنوية: من جهل بالخالق العظيم، وكفر بنعمه السابغة، وإعراض عن دينه، وكتابه وسننه الكونية ومنهاج رسوله الكريم.

 لقد كانت الحلول الشاملة في الآية واضحة وكفيلة وحدها بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وقد عبر عنها القرآن بمصطلحات حيوية وقوية وعميقة ومؤثرة هي" التقوى" و" الإيمان" و" الذكر" وهو هنا القرآن الكريم، و"الرسول" وهو السراج المنير بهديه وهدايته ورحمته وخلقه العظيم. 

 فما اللغة التي يعلمنا كرونا؟ إنه يؤدبنا بلغة الهلع والجزع والفحص والمحص والإزعاج. وإنه يعلمنا بلغة المراجعة والتصحيح والمحاسبة والتقييم من أجل التخلي عن الأساليب العالمية القائمة على الجشع والأنانية والسيطرة والغرور إلى نظام حضاري جديد أكثر عدلا وتسامحا ورحمة وإنسانية وأخوة وتواضعا وأعمق ربطا للأحداث الكونية والإنسانية بأسبابها الحقيقية وأصوب بصرا ووعيا بالعواقب والمآلات.

إنها لغة محسوسة من أسرع اللغات تعلما وتداولا وانتشارا بين الناس، فقد أثرت تأثيرا بالغا في الإنسان والاقتصاد والتجارة والعلم والتعليم والتكنولوجيا والإعلام والرياضة والسياحة والنقل والمواصلات والاتصالات وأسواق المال والأسهم والسندات والصكوك والنِّفط والغاز والذهب والمعادن النفيسة وأسعار السلع والبضائع. لذا فقد بات من السهولة أن يفهم معانيها العربي والعجمي، والأوربي والآسيوي، والحاكم والمحكوم، والفقير والغني، والعسكري والمدني، والطبيب والمصاب، والمتعلم والأمي؛ حيث جسدت هذه القارعة جامعا لغويا وحضاريا مشتركا بين جميع الناس.

إنها خطاب لجميع الحضارات والأمم والشعوب والديانات بلغة يومية قاهرة ذات سلطان مكين يدركها الجميع ويعقلونها.  إنهم يفهمونها ويعرفون أثرها البالغ في نفوسهم وأمزجتهم وأبدانهم ومكاسبهم ومتاجرهم ومنافعهم ومصالحهم، وفي معايشهم ومطالبهم وأسفارهم ومراكبهم، وفي مدارسهم وأقلامهم وملاعبهم وتسليتهم ورفاهيتهم، وفي نومهم ويقظتهم وقهوتهم وأضغاث أحلامهم.

  ولا شك أن الغفلة عن الله تعالى وما يرافقها من البطر والغطرسة والفرح بما أوتوا من زهرة الدنيا   من الأموال والأولاد والأرزاق هو سبب مكر الله بالبشرية قال تعالى في سورة الأنعام: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ".

والحقيقة أننا لا نتسلى بمصائب الآخرين ولا نستمتع بما أصابهم من الضرر والبلاء بل نشاركهم في أحزانهم   وأتراحهم ونسأل الله لكل الشعوب السلامة والعافية والتوفيق في مكافحة هذا الوباء والتغلب عليه بأدوية ناجعة ليست لها آثار جانبية تنقذ البشرية من براثن هذا الداء العضال. لان البلوى ليست خاصة بالصين ولا بأوروبا ولا بالولايات المتحدة بل إن الأضرار الصحية والنفسية والاقتصادية والاستراتيجية تطال العالم كله والشعوب قاطبة، كيف لا، وقد أصبح العالم اليوم قرية واحدة يكاد يكون فرحها وجزعها ومصيرها الوجودي والاستراتيجي واحدا.

وعندما نتكلم عما أصاب الحضارة الغربية والأمريكية والصينية من آثار هذا الوباء الذي أصاب أيضا شعوبا وبلدانا عربية وإسلامية عديدة إنما نذكره من باب فقه السنن الجارية وكذلك من باب استخلاص الدروس والعبر من الحاصل في كل طرف ولا دخل فيه للشماتة والتشفي والتلذذ بكوارث المنكوبين.

إن هيكل الحضارة المعاصرة اليوم موجود وقائم وأسبابها متوافرة وقد طغت تيسيراتها المادية على حياة الناس ولكن أين روحها وقيمُها ورسالتها وما تقدمه للناس من رصيد الأخلاق والفكر والإنسانية والفطرة والمعاني التي تحقق كينونة الإنسان وأمنه واستقراره وعطاءه وإبداعه؟

  والحقيقة أن الحضارة اليوم بئر معطلة وقصر مشيد... ورغم قصورها المشيدة وما تدل عليه من الزينة والبهرج والفتوحات المادية، وعبقرين المهندسين والمصممين والمعماريين، فلم تعد بئرها مصدرا للحياة والنمو والتكاثر والعطاء والزيادة والإبداع بل أصبحت مصدرا للهلاك والشقاء والويل والثبور والقتل والتشريد والدمار الشامل الذي لا يُبقي ولا يذر.

لقد رُفع العلم وأخلاقه، وانتشر الجهل وأوصافه، وعمَّ الظلم والتطفيف، واستشرى الفساد والتوحش، وكسدت سوق العدل، وأُهدرت قيم الحرية وحقوق الإنسان، ونفقت سوق الجريمة، وأٌهين التقي، وعُبِدت الأوثان، وجاست الأبالسة خلال الديار، ونفخ الشيطان في القلوب نفخته الكبرى، ورقص في مسرح الجريمة رقصته العظمى... فبعث الله إلى أهل  الأرض هذا الكائن المجهري الحقير الصغير الخبير في تخصصه فطاف الأرض كالدجال شرقا وغربا في يوم واحد وخلَّف آثاره المؤلمة في الأموال والأنفس والعقول والأبدان والثمرات، وألبس الناس لباس الجوع والخوف والكآبة  والبؤس والتشرد   حتى فرَّ الخليل من خليله، وفر  الصاحب من صاحبته، والولد من أبيه، والرجل من فصيلته، وحلت البأساء والضراء محل السعادة والنعماء، وعُطِّلت المساجد والحرمان الشريفان والأقصى من الطائفين والزائرين والركع السجود كما عطلت الكنائس والمعابد وقصور العربدة والقمار والعري والإباحية و كل مراتع عبدة الشهوات والشياطين.

ومن هنا فقصور المصارف والأسواق وأبراج التجارة وقصور المنتجعات والمطارات وقصور السياسة والمراقص والنوادي الليلية وقصور الرفاهية والدعة والترف والبذخ والغفلة والفسوق والجريمة كلها مازالت قصور ا مشيدة ولكنها أصبحت خاوية على عروشها بلا زاد ولا رواد ولا منعشين ولا جمهور ولا مستقطبين بل كلهم يتجرعون كؤوس الجزع والغمِّ والخيبة والهزيمة والفشل والنقص في أموالهم وأنفسهم وأولادهم وأهدافهم ومخططاتهم ومشاريعهم. وقد  دلت حال البشرية ومعاناتها  وكروبها وانهيارها على تشخيص القرآن الكريم لأحوال الدنيا وسرعة زوالها:  قال الله تعالى : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يونس/.24
لقد ضرب الله لنا مثلا حيويا بالحياة الدنيا  وسرعة زوالها وما يكون فيها من تقلبات ومآلات لتحريك طاقات التفكر والتعقل في نفوسنا وحياتنا حتى لا نظن ظنَّ الجاهلين  أن لنا قدرة أو حولا به نتحكم في مسارات الدنيا قال ابن كثير: "ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء ، مما يأكل الناس من زرع وثمار ، على اختلاف أنواعها وأصنافها ، وما تأكل الأنعام من أبٍّ وقَضْبٍ وغير ذلك ، ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي : زينتها الفانية ، ( وازينت ) أي : حسنت بما خرج من رُباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ، ( وظن أهلها ) الذين زرعوها وغرسوها ( أنهم قادرون عليها ) أي : على جذاذها وحصادها ، فبينا هم كذلك ، إذ جاءتها صاعقة ، أو ريح باردة ، فأيبست أوراقها ، وأتلفت ثمارها ؛ ولهذا قال تعالى : (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا) أي : يبسا بعد تلك الخضرة والنضارة ، ( كأن لم تغن بالأمس ) أي : كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.  تفسير ابن كثير "   (4/260) .
  وقال الشيخ محمد رشيد رضا ، رحمه الله "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" أَيْ كَهَذَا الْمَثَلِ فِي جَلَائِهِ وَتَمْثِيلِهِ" لِحَقِيقَةِ حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَغُرُورِ النَّاسِ فِيهَا، وَسُرْعَةِ زَوَالِهَا، عِنْدَ تَعَلُّقِ الْآمَالِ بِنَوَالِهَا  نُفَصِّلُ الْآيَاتِ فِي حَقَائِقِ التَّوْحِيدِ، وَأُصُولِ التَّشْرِيعِ، وَأَمْثَالِ الْوَعْظِ وَالتَّهْذِيبِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ صَلَاحُ النَّاسِ فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ، وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِمَعَادِهِمْ، لِقَوْمٍ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ فِيهَا، وَيَزِنُونَ أَعْمَالَهُمْ بِمَوَازِينِهَا، فَيَتَبَيَّنُونَ رِبْحَهَا وَخُسْرَانَهَا، وَالْعِبْرَةُ لِمُسْلِمِي عَصْرِنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَمْثَالِهَا، الَّتِي اهْتَدَى بِهَا الشَّعْبُ الْعَرَبِيُّ فَخَرَجَ مِنْ شِرْكِهِ وَخُرَافَاتِهِ وَأُمِّيَّتِهِ وَبَدَاوَتِهِ، إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْحَضَارَةِ، ثُمَّ اهْتَدَى بِدَعْوَتِهِ إِلَيْهَا الْمَلَايِينُ مِنْ شُعُوبِ الْعَجَمِ، فَشَارَكَتْهُ فِي هَذِهِ السَّعَادَةِ وَالنِّعَمِ  أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ حَظٌّ مِنْهَا إِلَّا تَرْتِيلَهَا بِالنَّغَمَاتِ فِي بَعْضِ الْمَوَاسِمِ والْمَآتِمِ، وَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ بِبَالٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّفَكُّرُ لِلِاهْتِدَاءِ بِهَا !!
وَلَوْ تَفَكَّرُوا: لَاهْتَدَوْا، وَإِذًا لَعَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا يَشْكُو مِنْهُ الْبَشَرُ مِنَ الشَّقَاءِ بِالْأَمْرَاضِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَالرَّذَائِلِ النَّفْسِيَّةِ، وَالْعَدَاوَاتِ الْقَوْمِيَّةِ، وَالْحُرُوبِ الدَّوْلِيَّةِ، فَإِنَّمَا سَبَبُهُ التَّنَافُسُ فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي هَذَا، وَكَانَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَلْتَزِمَ الْقَصْدَ وَالِاعْتِدَالَ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ، وَيَصْرِفَ جُلَّ مَالِهِ وَهِمَّتِهِ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَعِزَّةِ أَهْلِ مِلَّتِهِ، وَقُوَّةِ دَوْلَتِهِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِآخِرَتِهِ، فَيَكُونَ مِنْ أَهْلِ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ." "تفسير المنار (11/284)"

 والأدهى من ذلك أن آبار الحياة والحيوية والإنسانية والتفاعل والإنتاج والكسب والتصنيع والقيم معطلة وآخذة في مزيد من التعطل والانهيار المؤذن بالعقم والفناء والعدم.

 وكأيِّن من دولة من دول العالم اليوم رغم ما لها من بنية تحتية مقدرة ومعالم سياحية مزينة وقصور شاهقة مشيدة تئن أنينا شديدا تحت مخالب الكرونا وضرباته الموجعة وقوارعه المؤذنة بالهلاك بسبب الظلم والفساد وما اجترحته الأيدي من السيئات والكوارث والموبقات.

نعم لقد عجزت أسبابهم، وانتهت حِيَلُهم، وقلَّ صبرهم، وظهر زيف القوة والهيبة والأمجاد التي زعموها قولا بأفواههم، وصنعوها صناعة في قلوب الناس عن طريق الإعلام والدعاية والتهريج والأبهة والدجل والتخويف.

نعم ولكن جولة واحدة من الجولات المجهرية الكُرونية جعلت ذلك كله هشيما أو سرابا أو رمادا فلا ينتفعون به في مواجهة المشكلات والكوارث والأوبئة التي حاقت بالعالم بل نشأت عنه أمراض نفسية أخرى لا تقل خطرا عن أوابد الفيروسات والأمراض الجرثومية التي تعمل بخفاء دون علم أو مراقبة أو استئذان.

فمثل أمجادهم المدمَّرة كمثل هشيم تذروه الرياح: قال تعالى في سورة النور:" وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا" ومثل معالمهم وأسواقهم  ومسارحهم الممزقة كمثل سراب بقيعة، قال تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ" ومثل  أعمالهم ومكاسبهم وقوتهم المدعاة كمثل رماد  اشتدت به الريح في يوم عاصف،  قال تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18).

وهكذا يحبس العالم اليوم أنفاسه، ويقف الملأ وكبار القوم حائرين وقد تملكهم الحزن والخوف والهلع والجزع والهم والغم أمام سرعة الانتشار وسهولة العدوى وهول المشهد ومصرع المرضى وطابور الآلاف المؤلفة من الجثامين والمذابح الجماعية التي تقرع أسماعهم أخبارها وتملأ أبصارهم يوما بعد يوم ولا يملكون لها تشييعا ولا دفنا بالطرق المعتادة فيزدادون فَرَقا واكتئابا أمام قارعة كرونا التي لا تُفرِّق بين غني ولا فقير، ولا بين مسلم وكافر، ولا بين طبيب ومريضـ، بل جميعهم يهدُّه الوباء، ويشمله الامتحان، وتدور عليه الدوائر.

لذا كانت هذه القارعة التي حلت بعالمنا المعاصر مليئة بالدروس والعبر قال تعالى في سورة النازعات:" إن في ذلك لعبرة لمن يخشى".

العبر المستخلصة:

العبرة الأولى: أن دعوى الحضارة المعاصرة أنها تغلبت بتفوقها العلمي والطبي على الأمراض والأوبئة والطواعين وأن الانسان كاد أن يصل إلى الخلود دعوى كاذبة ومزيفة وغير دقيقة، وما وباء كرونا منا ببعيد، فهو دليل عالمي ملموس على العجز العالمي، وعلى مدى صدق الحق تبارك وتعالى في وصف الإنسان بالضعف قال تعالى" وخُلق الإنسان ضعيفا".  

العبرة الثانية: أن هذه الأزمة الوبائية العالمية قد أصابت العولمة في مقاتلها، وأخرست ألسنة رسلها، وأن هذه العولمة رغم ما فيها من المنافع والتسهيلات والرفاهية ليست حلا جذريا للمشكلات الإنسانية والحضارية التي تمثل أسئلة الإنسان الوجودية والمصيرية الكبرى. بل إن البشرية تحتاج إلى رؤية كونية ذات رسالة وأهداف وقيم تصل أولها بآخرها، ومشهودها بغيبها، ودنياها بآخرتها، حتى تتعاطى الأسباب الروحية المفضية إلى هداية الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

العبرة الثالثة: لقد أصبحت حياة العالم اليوم جسدا بلا روح، وعقلا بلا قلب، وليلا بلا نهار، وهيكلا بلا مضمون، وبصرا بلا بصيرة، ومادة بلا إنسانية، وسعيا بلا قصد.  فلم تعد للإنسان قيمة لدى الإنسان بل أصبحت المادة والشهوة وكسب المال والتربُّح هي الدوافع الحقيقية المحركة للإنسان والموجهة للحضارة، والقائدة للتسابق المجنون نحو الهاوية. فحق له أن يشقى، وحق له أن يعمى، وحق له أن يردى، وحق له أن يؤدب بقد ر ما ضيع من الفرص والقدرات والحلول والإمكانات. قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا(125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ.(126).

العبرة الرابعة: أنه من المهم المعرفة التاريخية والسُّنَنية بأهم الأوبئة والطواعين والكوارث والحروب التي مرت بها البشرية لنضع هذه القارعة الوبائية الجديدة في موقعها الصحيح بعد ما يلزم من التوصيف والتصنيف والمقارنة والتحليل استخلاصا للعبر من الدرس العالمي الموجع قال تعالى في سورة هود:" إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ"  (103).

العبرة الخامسة: أن الأمل والإيجابية والتفاؤل والوسطية والتوزان وقراءة المستقبل بقلوبنا وعقولنا وقيمنا الحضارية تبقى هي المميزات الجوهرية لنا جميعا رسميين وشعبيين.. وأن الذين "يعقلون" والذين "يتفكرون" والذين “يعلمون" والذين "يفقهون" والذين "يتدبرون" والذين "يستنبطون" والذين "يرحمون" والذين " يتسامحون" والذين " يعفون" والذين "يتحاورون" و"الذين يعملون" والذين "يبتكرون" والذين "يبدعون" والذين يصونون "الحقوق والقيم" هم وحدهم المرشحون والمؤهلون لقيادة سفينة الحضارة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

العبرة السادسة: ورغم فضل هذه الأصناف من الناس علما وعقلا وخلقا، فإنهم أشد عقوبة وبلاء وابتلاء ومحنة من غيرهم بما علموا وعقَلوا وضيَّعوا من الأمانات الفردية والجماعية والحضارية قال تعالى في سورة آل عمران:" أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثْلَيْها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير".  وقال تعالى:" فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165).    )

عن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي اللَّه عنهما، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا". رواهُ البخاري.

العبرة السابعة: رغم أن البشرية ستتغلب على هذا الوباء بفضل الله ورحمته بخسائر كبيرة الحجم والأثر في الأرواح والاقتصاد والقيم والعلاقات الإنسانية والسياسية إلا أنه سيضيف في كل باب من أبواب الحضارة والحياة بصمته الخاصة وشفرته المتفردة.

ولا شك أنه سيصبح العالم بعد كرونا مختلفا جذريا عما قبله وقد تنهار أقطاب وقوى إقليمية ودولية وتبرز أقطاب دولية جديدة مما قد يجسد خريطة عالمية جديدة تنشأ عنها عداوات وصراعات وحروب وتحالفات قد تتحكم في المستقبل الاستراتيجي للبشرية على المديين القريب والمتوسط، ولكن الطابع العام هو التمزق والتفرق والكراهية والنزعات القومية الضيقة، قال تعالى في سورة الأعراف: "وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ  ۖ  وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".

العبرة الثامنة: أن الحضارة الغربية وخصوصا الشعوب الرومانية قد تصيبها كغيرها الكوارث والأوبئة والحروب المدمرة والقوارع التي تصيب الناس في مقاتلهم البشرية والاقتصادية والنفسية والاستراتيجية،

وهذا ما حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية وفي الطواعين التي مرت على هذه الشعوب الرومانية وما يحتمل أن يقع اليوم للحضارة الغربية بسبب قارعة كرونا وآثارها المدمرة. ورغم ذلك يبقى الغربيون قادرين على تصحيح أوضاعهم وتجديد طاقاتهم: نهضة بعد سقوطٍ وتماسكا بعد انهيار. وفيهم خصائص ومقومات البقاء والاستمرار رغم كفرهم وضلالهم، فهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، وأحلم الناس، وأقدرهم على المعاودة، وهم خير الناس للمساكين والأيتام والضعفاء ولا يسكتون على ظلم ملوكهم عن المستورد الفهري قال: قال صلى الله عليه وسلم:" تقومُ الساعةُ والرومُ أكثرُ الناسِ". فقالَ لهُ عمرو بن العاص: أبصرْ ما تقولُ؟ قال: أقولُ ما سمعتُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. قال عمرو: لئنْ قلتَ ذلكَ، إنَّ فيهِمْ لخصالًا أربعًا: إنهُمْ لأحلمُ الناسِ عندَ فتنةٍ، وأسرعُهمْ إفاقةً بعدَ مصيبةٍ، وأوشكُهمْ كرَّةً بعدَ فرَّةٍ، وخيرُهمْ لمسكينٍ ويتيمٍ وضعيفٍ، وخامسةٌ حسنةٌ وجميلةٌ: وأمنعُهُمْ مِنْ ظُلمِ الملوكِ. رواه مسلم     

وهذه الخصال العظيمة هي التي أهلت الغربيين لقيادة البشرية، ولو زالت من حياتهم لزالت معها سيطرتم وهيمنتهم، وعدم وجودها في حياة المسلمين هو الذي جعلهم في ذيل الركب الحضاري تابعين لا متبوعين، ومأمورين لا آمرين.  فمتى نجدد مسيرتنا الحضارية بما يقتضيه الأمر من الشروط والأحكام والمقومات حتى نستحق تلك "الخصال الحضارية" ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.

العبرة التاسعة: أن للحضارة الإسلامية فرصا عظيمة في هذه الظرفية الاستثنائية أثناء الوباء وبعده لتقديم مشروع الهداية والدعوة والرحمة والمحبة والسلام  والأخوة والكرامة والتسامح لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور نشرا للتوحيد والعدل والحوار والتراحم والتضامن والتآزر والتكافل وقيم القرآن وأخلاق النبي  وأعماله المفضية إلى هداية الخلق ونجاتهم من الخسران المبين قال تعالى في سورة آل عمران:" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم".  وقال تعالى في سورة الزمر: "قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ". وقال تعالى في سورة الإسراء:" إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا".

العبرة العاشرة: ضرورة تجديد الفهم والخطاب والأسلوب والتطبيق وحمل مشروع الإيمان والعلم   والعمل والخلق والرحمة إلى البشرية بأساليب ربانية وحضارية وعصرية ملؤها الهدى والعلم النافع والمحبة والاحترام والصحة والنظافة والإنسانية والتسامح والرفق مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه" فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعَم" متفقٌ عليهِ.   وقوله صلى عليه وسلم" إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ". رواه مسلم.

وهذه الفرص المتاحة للمسلمين اليوم للإضافة النوعية في حياة البشرية المكسور خاطرها، والمحطمة نفوسها من آثار الوباء، والمحتاجة إلى جميع أنواع النصرة والدعم واللفتات الربانية والمعنوية والمادية والإنسانية تتجلى أكثر من أي وقت مضى. حقا إنها فرص عظيمه لا تثمر إلا بعمل عظيم. إنه الإيمان المكتسب بالجهد والعمل والتضحيات، وليس إيمان الخوارق والمعجزات ولا الإيمان الموروث الذي صار تراثا عن الآباء والأجداد والسالفين؛ لأن الإيمان عن طريق الخوارق والمعجزات لا يبعث على الاستقامة، فكم شاهد بنو إسرائيل من المعجزات والخوارق؟ ثم بقوا في جدلهم وضلالهم؛ ولأن الإيمان الموروث لا يغير وجهة الإنسان ومقصده، ولا يورثه قوة الصمود أمام الفتن والابتلاءات بل المعوَّل عليه بعد الله تعالى هو الإيمان المكتسب بمنهاج النبوة. اللهم احفظنا من الكوارث والأوبئة  ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن.